القرطبي
183
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( إن للمتقين مفازا ) ذكر جزاء من اتقى مخالفة أمر الله " مفازا " موضع فوز ونجاة وخلاص مما فيه أهل النار . ولذلك قيل للفلاة إذا قل ماؤها : مفازة ، تفاؤلا بالخلاص منها . ( حدائق وأعنابا ) هذا تفسير الفوز . وقيل : " إن للمتقين مفازا " إن للمتقين حدائق ، جمع حديقة ، وهي البستان المحوط عليه ، يقال أحدق به : أي أحاط . والأعناب : جمع عنب ، أي كروم أعناب ، فحذف . ( وكواعب أترابا ) كواعب : جمع كاعب وهي الناهد ، يقال : كعبت الجارية تكعب كعوبا ، وكعبت تكعب تكعيبا ، ونهدت تنهد نهودا . وقال الضحاك : ككواعب العذارى ، ومنه قول قيس بن عاصم : وكم من حصان قد حوينا كريمة * ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر والأتراب : الاقران في السن . وقد مضى في سورة " الواقعة " ( 1 ) الواحد : ترب . ( وكأسا دهاقا ) قال الحسن وقتادة وابن زيد وابن عباس : مترعة مملوءة ، يقال : أدهقت الكأس : أي ملأتها ، وكأس دهاق أي ممتلئة ، قال : ألا فاسقني صرفا سقاني الساقي * من مائها بكأسك الدهاق وقال خداش بن زهير : أتانا عامر يبغي قرانا * فأترعنا له كأسا دهاقا وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وابن عباس أيضا : متتابعة ، يتبع بعضها بعضا ، ومنه ادهقت الحجارة أدهاقا ، وهو شدة تلازبها ودخول بعضها في بعض ، فالمتتابع كالمتداخل . وعن عكرمة أيضا وزيد بن أسلم : صافية ، قال الشاعر : لأنت إلى الفؤاد أحب قربا * من الصادي إلى كأس دهاق وهو جمع دهق ( 2 ) ، وهو خشبتان [ يغمز ] ( 3 ) بهما [ الساق ] . والمراد بالكأس الخمر ، فالتقدير : خمرا ذات دهاق ، أي عصرت وصفيت ، قاله القشيري . وفي الصحاح : وأدهقت الماء : أي أفرغته
--> ( 1 ) راجع ج 17 ص 211 . ( 2 ) في ( اللسان : دهق ) : والدهق ( بالتحريك ) : ضرب من العذاب . وهو بالفارسية : ( أشكنجة ) . ودهقت الشئ : كسرته وقطعته . اه . ( 3 ) التصحيح من كتب اللغة وفي الأصول : خشبتان يعصر بهما .